مؤشر الدولار الأمريكي رسّخ يوم الثلاثاء تمركزه ضمن نطاق 99، مسجّلًا في الوقت نفسه أعلى مستوى له خلال 5 أسابيع. ويواصل زوج EUR/USD اتجاهه الهابط في ظل استمرار قوة الدولار الأمريكي على نطاق واسع. ففي تداولات الثلاثاء، كسر الزوج بثقة مستوى الدعم عند 1.1650 (الخط السفلي لمؤشر Bollinger Bands على الرسم البياني للأربع ساعات)، وهو حاليًا يختبر مستوى 1.15.
من اللافت أن قوة الدولار لا تعود فقط إلى مكانته كأصل ملاذ آمن (مع أن العوامل الجيوسياسية تبقى المحرك الرئيسي)، بل أيضًا إلى أن مؤشر ISM لقطاع التصنيع، الذي صدر يوم الاثنين، جاء في المنطقة الإيجابية. وبوجه عام، فإن مجموعة العوامل الأساسية تشير إلى أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيُبقي على موقف التوقف عن رفع الفائدة ليس فقط خلال اجتماعات الربيع، بل أيضًا في أوائل الصيف. على الأقل، تتراجع بسرعة احتمالات خفض الفائدة في يونيو.
ووفقًا للبيانات الصادرة يوم الاثنين، بلغ مؤشر ISM التصنيعي لشهر فبراير 52.4، أي قريبًا من مستوى يناير. وللتذكير، قفز هذا المؤشر الكلي الرئيس في يناير من 47.9 إلى 52.6. ولم يكتفِ بأن دخل منطقة التوسع (للمرة الأولى خلال آخر 40 شهرًا)، بل سجل أيضًا أعلى مستوى في عدة أشهر. وكان معظم المحللين يتوقعون تراجع المؤشر إلى 51.7 في فبراير، لكنه احتفظ فعليًا بمستوى يناير.
تركيبة التقرير ذات دلالة كذلك. أولًا، قفز المؤشر الفرعي للطلبات المتراكمة Backlog of Orders بمقدار خمس نقاط ليصل إلى 56.6، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2022. هذا المكوّن المهم يضمن استغلال الطاقة الإنتاجية في الأشهر المقبلة، خاصة وأن المؤشر الفرعي للطلبات الجديدة New Orders ظل في منطقة التوسع عند 55.8. وفي السياق نفسه، تجدر الإشارة إلى انخفاض قيمة المؤشر الفرعي لمخزونات العملاء Customers Inventories، الذي استقر عند 38.8. ومن المعروف أن استمرار انخفاض مستوى المخزونات يعد مؤشرًا استباقيًا للإنتاج المستقبلي، ما يعني احتمال نمو الطلبات الجديدة.
وفي دعم إضافي للدولار، ارتفع أيضًا المؤشر الفرعي للأسعار إلى 70.5، مسجلًا أعلى مستوى له منذ يونيو 2022. وهذا يشير إلى زيادة ملموسة في الضغوط التضخمية على خلفية ارتفاع أسعار المعادن.
أما "الملحوظة السلبية الوحيدة" هنا فهي مؤشر التوظيف، الذي بقي في منطقة الانكماش عند 48.8 في فبراير. ومع ذلك، فقد ارتفع المؤشر الفرعي بمقدار 0.7 نقطة مئوية مقارنة بيناير. وسجّل الشهر الماضي أبطأ وتيرة لانخفاض أعداد العاملين في الشركات خلال العام الماضي. وتعكس هذه الديناميكية نوعًا من الاستقرار في سوق العمل الصناعي.
وفّر مؤشر ISM التصنيعي دعمًا إضافيًا للدولار، إذ قلّص أكثر فأكثر رهانات السوق ذات النزعة الحمائمية بشأن تحركات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة. ووفقًا لبيانات أداة CME FedWatch، يكاد السوق يجزم بنسبة تقارب 100% بأن المجلس سيُبقي جميع معايير السياسة النقدية دون تغيير في مارس وأبريل. وفي الوقت نفسه، تراجعت احتمالية تيسير السياسة النقدية في اجتماع يونيو إلى 35%. للمقارنة، قبل أسبوعين فقط، كان المتعاملون يُسعّرون احتمالًا نسبته 70% لخفض الفائدة في يونيو. غير أن تسارع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (core PCE) ومؤشر أسعار المنتجين لشهر يناير، على خلفية التوترات الجيوسياسية، أجبر المتعاملين على إعادة النظر في توقعاتهم.
مع ذلك، يظل العامل الجيوسياسي المحرك الأساسي لقوة العملة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، لو جلست الولايات المتحدة غدًا إلى طاولة المفاوضات مع إيران، سيتعرض الدولار لضغوط بيع قوية في السوق مع ازدياد الإقبال على الأصول ذات المخاطر الأعلى.
لكن حتى يوم الثلاثاء، لا توجد أي بوادر على ذلك. على العكس، تصدر الأطراف تصريحات متشددة تزيد من حدة التصعيد. فعلى سبيل المثال، صرّح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يوم الاثنين بأن المرحلة الحالية من الهجوم ليست سوى البداية، وأن المرحلة التالية من العملية العسكرية ستكون "أشد عقابًا" لإيران. وأشار إلى أن الولايات المتحدة لن تتوقف إلى أن تُدمَّر قدرات إيران الصاروخية وإمكاناتها البحرية بالكامل. كما أعرب عن أمله في أن يستغل الشعب الإيراني هذه الفرصة للانتفاض ضد حكومته.
من جهتها، أوضحت طهران أنها لن تدخل في مفاوضات تحت الضغط، وأنها ستوسّع نطاق الصراع ليشمل دولًا في الخليج الفارسي حيث تتواجد القوات الأمريكية. وبالنظر إلى أن روبيو استبعد فعليًا احتمال إجراء مفاوضات دبلوماسية في المستقبل القريب (على خلفية تصريحات مماثلة من الجانب الإيراني)، يمكن الافتراض بأن الاهتمام بالدولار سيستمر في ظل تنامي العزوف عن المخاطرة واستمرار ارتفاع أسعار النفط.
من الناحية الفنية، كسر الزوج على الرسمين البيانيين للأربع ساعات واليومي الحد السفلي لقناة Bollinger Bands، ويتداول الآن أسفل جميع خطوط مؤشر Ichimoku، الذي شكّل إشارة هابطة من نوع "Parade of Lines". وعلى الرسم الأسبوعي، تتحرك الأسعار بين الخطين الأوسط والسفلي لقناة Bollinger Bands، وأسفل خطي Tenkan-sen وKijun-sen (لكنها لا تزال أعلى سحابة Kumo). ويتمثل الهدف الرئيسي للحركة الهابطة في المدى المتوسط عند مستوى 1.1490 (الحد السفلي لقناة Bollinger Bands على الإطار W1، المتطابق مع الحد العلوي لسحابة Kumo).